الشيخ محمد باقر الإيرواني
513
الحلقة الثالثة في أسلوبها الثاني
واما المجموعة الثانية - وهي الأخبار الدالة على شرطية ولاية أهل البيت عليهم السلام في قبول الاعمال - فيردها انها أجنبية عن المقام بالكلية ، إذ هي لا تقول ان القطع الحاصل من العقل ليس حجة بل تقول ان العمل مهما كان راقيا وعاليا فما دام فاعله لا يوالي أهل البيت عليهم السلام فهو غير مقبول . واما المجموعة الثالثة فيردها انها بصدد النهي عن ترك مراجعة رواياتهم عليهم السلام والاعتماد الكلي على القضايا العقلية باعتبار ان مراجعة رواياتهم قد تصير سببا لعدم حصول القطع من القضايا العقلية بصورة سريعة كما هو الحال في قصة ابان ، فإنه لو كان قد راجع الروايات الدالة على أن المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث الدية فإذا بلغته رجعت إلى النصف لما كان يقطع بكون المناسب ثبوت أربعين في قطع اربع أصابع « 1 » .
--> ( 1 ) جدير بهذه المناسبة الإشارة إلى الاتجاهات المتعاكسة في تقييم العقل ، وهي : 1 - الاتجاه الذي يصعّد من قيمة العقل ويرتقي به إلى القمة . وتجلت معالم هذا الاتجاه بوضوح أواسط القرن الثاني الهجري حينما ارتحل الرسول الأعظم صلّى اللّه عليه وآله وهجرت وصاياه بالتمسك بالعترة الطاهرة عليهم السلام إلى جانب القرآن الكريم . ان هجر تلك الوصايا وحصر مصادر التشريع بالقرآن الكريم وسنته صلّى اللّه عليه وآله أدى بحسب النتيجة إلى تضييق الينابيع المستقى منها الاحكام واضطرت الحاجة إلى فتح المجال للعقل ليقف مصدرا ثالثا إلى جانب المصدرين السابقين . وقد اطلق على هذه المدرسة اسم مدرسة الرأي والاجتهاد ، وكان أبو حنيفة من روادها الأوائل ، ويؤثر عنه انه كان يقول : « اني آخذ بكتاب اللّه إذا وجدته فما لم أجده اخذت بسنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فإذا لم أجد في كتاب اللّه ولا سنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله اخذت بقول أصحابه من شئت وأدع من شئت ثم لا اخرج من قولهم إلى غيرهم فإذا انتهى الامر إلى إبراهيم والشعبي والحسن وابن سيرين فلي ان اجتهد كما اجتهدوا » . ولا نكون بعيدين عن الصواب إذا ما نسبنا إلى هذه المدرسة اتهام الشريعة الاسلامية بالنقص وعدم الشمول لجميع شؤون الحياة وان اللّه لم يشرع إلّا احكاما معدودة وهي ما جاء بيانها في القرآن الكريم وسنة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وترك التشريع في سائر المجالات الأخرى إلى اجتهاد الفقهاء واستحساناتهم . -